الإنسان
يريد التقدم حسب مفهومه للتقدم ويريد أن يتطور ويوسع دائرته المادية وأحيانا
المعرفية. هو كائن منافس يريد أن يمتلك ما لا يمتلكه الأخرين أو أن يمتلك أفضل ما
هو موجود حسب استطاعته. أحيانا يحاول الوصول إلى مراده بطرق غير شرعية ولكنه غالبا
ما يحاول الوصول إليه وفق الأنظمة المحددة لديه لأنه يشعر بالنشوة عندما يصل
لأهدافه بطريقة تسمح له أن يشعر أنه تسابق مع غيره. يحاول المرء أن يؤثر على بيئته
ويريد حتى أن يتحكم بها لتكون في خدمته وتسير الأمور لصالحه. وهذه الأفعال تعكس
محاولات الإنسان ليشعر بأهميته وقوته في العالم. يحاول المرء أن يشعر أن له معنى
وله تأثير.
عندما
لا يجد المرء البيئة التي تسمح له أن يتقدم يبدأ بالبحث عن حلول أخرى تسمح له أن
يشعر بأهميته وقوته وأنه إنسان يتخطى حدوده الجسدية. إذا رجعنا وتفكرنا في حياة
الطفل, نجد أنه يستمد قوته من أبيه وهو بوصاله مع أبيه يشعر أنه قوي مثل أبيه.
الطفل يبالغ في ما يعرفه أبوه وما يمتلكه وبذلك يشعر الطفل بالراحة لأنه قريب من
هذا الكائن القوي الفطن الذي له سطوة كبيرة على البيئة. بهذا, عندما يكبر الطفل
وينطلق ولكنه يفشل أن يكون له صدى باستخدام الأدوات التي طورها منذ صغره فهنا يشعر
بالهزيمة ويشعر بأنه خاوي ولا أثر له على أي شيء, فإنه قد يفكر أن يجد من يأخذ
مقام أبيه في صغره. يبدأ يبحث عن ذلك الشخص القوي الذي له أثر كبير جدا ومن ثم
يسقط نفسه ليكون تابعا لذلك الشخص كما كان لأبيه سابقا ومن بعد ذلك قد يشعر أنه هو
أيضا قوي. هنا المدخل للجماعات اللاعقلانية.
كل إنسان
له توجهات تتولد لديه بدايةً في صغره وتكبر وتتغير معه, فعندما يجد الإنسان ذلك
الشخص الذي يملك مثل توجهاته ولكن بصورة قوية ومؤثرة فهنا يسقط الإنسان في سحر هذا
الشخص ويعلن في داخله أنه تابعا له. هنا يبدأ الشخص في المبالغة في قوة هذا
القائد, ويبدأ أن يحب كل ما يحبه القائد, وأيضا يبدأ يحب من يحبه القائد ويكره من
يكرهه القائد, ومن هنا تبدأ اللاعقلانية والتبعية العمياء حيث يكون معيار الفرد
ليس ما توصل إليه هو ولكن ما يراه القائد وما يشعر به القائد. يبدأ هذا المسكين برسم
الخطوط العريضة فيمن هو على الصواب ومن على خطأ بناء على من يتبع القائد ومن
يخالفه. مسلسل اللاعقلانية تكون شبه لا متناهية حيث ما يطلقه القائد هو الصواب وما
يقبله القائد هو صحيح وما ينتقده القائد هو سيئ وما يرفضه القائد ليس مقبولا.
بهذه
اللاعقلانية, يصعب محاورة أتباع المجموعات المؤدلجة لأن معيارهم لتقييم الأمور لم
يعد المعيار المقبول لدى الأفراد. لا يُقَيمون الأمور حسب ما يفيد الكيان الإنساني
وما سيساعد في تحسين الأمور العامة للجميع ولكن معيارهم ما سيساعد في بقاء
المجموعة وما سيفيد استمرارية حياة القائد. هم لا يريدون أن يعرفوا ما يدور في
الواقع لأنه لا يفيد ولكنهم يريدون أن يعرفوا أنهم سيسمعون صوت القائد الذي يجعلهم
يشعرون بمعنى الحياة. حياتهم لا تعني شيء خارج الجماعة لأنها خاوية ولا صدى لها.
حياتهم ليست حياة بمعنى الحياة من دون قائدهم ومجموعتهم لأنهم بدونهما لا يشعرون
بشيء, لا شيء بداخلهم يمكن أن يتعاطى مع ما هو في الخارج لأن العالم الخارجي لا
يعكس ما يريدون ولا يسمح لهم أن يتخطوا محدودية أجسادهم ولكن الجماعة جعلتهم
يشعرون بقوتهم وتأثيرهم وذلك من خلال اتباع أوامر قائدهم الذي يرونه قوي ولامحدود.
No comments:
Post a Comment